ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي
233
الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية
وإذا أدّى العبد حق العبودية والذل تحت قدر الربوبية وغفر خدّيه على التراب وقال إن العبد لقبضة من تراب وما هي قيمتها وخضع للّه ربه واعترف بكثرة ذنبه ، وعلم أن اللّه العظيم ربه ، وخاف منه في سره وجهره ، فإذا صلّى فيقول أترى أقبل أم لا وما صلاتي عنده وعبادتي إلا كبعوضة بل حلمه وكرمه يغمر العبد وإلا فما لأحد شيء قلّ ولا لأحدكم من عامل ملّ وعامل مزكوم محجوب ، لا شمّ لا لمّ ولا أفاق ، ولا رأى ولا طعم ولا استطعم ولا عرف المناجاة ، ولا أدرك الإدراكات ، ولا جال في مجال العارفين ، ولا استنشق من بظارة الروح ، ولا علم ولا حسن يعبر عن شيء ؛ فإن المعاني كالمعاني ، والمحب إذا قوّاه حبيبه تكلم بما سمع ، أو بما قيل له ، وكل من لم يذق ولم ير ولم يشاهد لم يحسن يصف بحر الإقرار له ، ويترجم عن ساحل لا آخر له ، أو يعوم في قعر التخوم ، أو يصل إلى النون ، أو يدرك معاني السر الموصوف ، أو يتحقق حرف النون أما قدرته إذا أعطى عبده عطاء متى يلحقه الجارين كما قيل في بعض الكتب المنزلة : « لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها . . . » « 1 » الحديث بكماله ، وفي بعض ذلك بلاغ لمن يحضر نعمة اللّه ، ومعاذ اللّه تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم : 34 ] ونعم اللّه تعالى كثيرة لو كانت الكتاب والخلق والدواوين والأقلام يكتبون الكلمات لن يحصروا شيئا من نعمة اللّه إنما ذلك على قدر ضعف العبد ، وإننا عبيد مساكين ، لكن صدقاته علينا وبركاته لدينا كثيرة ؛ لأن كرمه إذا أعطى عبدا متى يلحقه أحد ما فضله ومنته ورحمته علينا ، فله الحمد على ما أولانا من جزيل كرمه ، ونسأله لنا ولكم ولجميع المسلمين ، أن يعاملنا بلطفه وبجوده ونعمته لا يعاملنا بأعمالنا ، فوعزته ما لنا شيء إلا منه إذ المملوك مملوكه ، والروح بيده ، فإن هدانا فذلك منه ومن رحمته ، وإن وفقنا للصلاة والصيام فذلك منه ومن رحمته ، فإذا كان الكل منه فما لنا شيء إلا أننا نطمع في إحسانه ، وفي جزيل كرمه علينا ظاهرا وباطنا ، ومن زعم أن له شيء فقد سقط من عين اللّه تعالى ولا يكون من الأولياء ، واللّه إن العبودية قليل لعل ما تحصل إلا لمن اصطفاه اللّه تعالى ووفقه وهداه . إننا نرجو رحمته وكرمه وأن يهدينا ويهديكم إنه جواد كريم آمين .
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .